زيارتان وانت صغير في السن لسوق الظلام بمطرح كافية تماما بأن تعلمك معنى الرحمة , في مدخل السوق تجد ذلك العجوز الضعيف الملئ وجهه بندوب الفقر راقدا امام احد المحلات المهجورة , ورجل بالغ مجنون في منتصف السوق يبكي بكاء الاطفال , اما الاخير وقبل نهاية السوق فكان رجلا للتو خرج من السجن يسأل الناس مما اعطاهم الله. أما الاول خائر القوى لا يقوى على القيام , لم يجد شيئا يقتات به لذلك اليوم , آه فقط لو كان الامر بيدي لفررت من يد امي لأعطيه بقايا كيس البطاطا الذي كنت آكله , آه فقط لو كنت املك مالا سأجعله اجمل رجل كهل بالعالم.
اما الثاني , ويالقسوة اهله عندما هجروه وجعلوه شريدا في الشوارع والاسواق , لأنه مجنون فهو ليس انسانا ؟! أم لأنه مجنون فوجوده يضيع من برستيج العائلة الكريمة ؟! , لكم ان تتصورا كيف كان يفترش جسده على ارضية السوق ويبكي بحرقة , يصرخ احيانا ويردد كلاما غير مفهوم , قلبي يتمزق لبكاءه , لا يعيره احدهم اهتماما , اما الاسيويون القساة الذي يعملون هناك اكتفوا بالضحك والتندر. لو كان الامر بيدي لاستأذنت ابي ان نأخذه معنا بالبيت ليشاركني اللعب , ولا بأس باستعارة ملابس ابن خالي فهي تناسبه جدا.
اما الثالث , فقد فاجأنا عندما كان ابي امام المقهى يشتري بعض العصائر والسندويتشات , تقاطيع وجهه توحي بأنه مظلوم بالحياة وكلامه يقول بأنه للتو افرج عنه وانه لايملك المال لأجل زجاجة ماء أو العودة لأهله . اتعلمون يا اصدقائي بأن الفقر اعظم ظلم يمكن ان يتعرض له الانسان , الفقر الذي يدفعنا للتخلي عن شئ من التكريم الالهي لأجل ان نعيش فقط , وما فائدة ان نعيش ونحن فقراء , كيف سأعبد الله وانا اتذلل لغير الله لأجل ورقة نقدية واحدة , (ياربي الكريم انت ارحم الراحمين ارزقنا شيئا من رحمتك) , كيف سأعيش بلا حقد وانا اغضب عندما أرى ابناء الاخرين يذهبون للمدارس في نشاط بينما ابنائي يذهبون بلا افطار او حتى مصروف جيب , (يا الهي الجميل سخر ملائكتك لتحمي اطفال الفقراء) , كيف سأعيش كما ارادني الله مكرما وانا ابحث عن الطعام في حاويات القمامة , (الهي ومستودع سري احفظني كما خلقتني).
ايها الرجل الكهل سامحني , فقد بذلت ما بوسعي لأسرق شيئا من المال من حقيبة امي , وعندما اتيت لأعطيك اياها , كنت لست واعيا , حاولت ايقاظك , لكنك لا تستجيب , وخشيت ان اضع المال هناك ليأتي احد الاطفال القساة ويشتري بها دراجة هوائية صغيرة , اما انت ايها المحروم من لمسة امك الحانية أيها التائه في دروب الحياة , قد نختلف عقليا ولكننا لن نختلف على اننا اناس ,أعدك عندما أكبر واصبح رجلا صاحب كلمة واستقلال بالرأي ان اخذك في سيارتي , لا بأس ان نتبادل شيئا من الكلام الغير مفهوم , ولا بأس ان نتعانق سويا لأعوضك عن حنان فقدته لسنين كثيرة , لكني مظطر بأن ادعك في دار اليتامى لعلك تلقى شيئا من التكريم , اعدك بأني لن اتركك.
اما انت ايها المظلوم بالحياة , يا من دفعت بالظلم لأجل السرقة , اعلم انك تسرق لأجل ابنائك , اعلم انك تحتال لأجل ان ترى زوجتك تبتسم لك , وهذه تضحية رائعة بعيدا عن التذلل للبشر القساة , لكني لن ادعك تسرق مجددا , ابنائك يحتاجون لك اكثر من المال , اعدك بأني سأساعدك عندما نلتقي سويا مستقبلا حتى ولو لم نعرف بعضنا فذلك لا يهم , اما الآن فلست املك من امري شيئا , حاولت ان الحق بك واعطيك شيئا من المخللات التي كانت بيدي , لكنك اختفيت في الزحام.
ربي ان لم ترحمنا بالمال , ارحمنا بالموت ..